تقارير
أخر الأخبار

هدر غير صحي.. الأطباء السوريون خسرتهم بلادهم ولم تكسبهم بلدان اللجوء

تحقيق: مارك لي هانتر -لجين الحاج يوسف

لا أحد يعرف على وجه الدقة عدد الأطباء الذين فرّوا من سوريا بعد العام 2011، حين تحوّلت الاحتجاجات الشعبية إلى نزاع مسلح مستمر حتى تاريخ نشر هذا التحقيق، أدى مما أدى إليه إلى انهيار النظام الصحي في البلاد. ومع انتشار الأطباء السوريين في جميع أنحاء العالم بين 2011 و2022، لم توثّق أي دولة مضيّفة وجودهم داخل مجتمعها.

بل أكثر من ذلك، نثبت في هذا التحقيق أن الأرقام المعلنة والرسمية لهذا الشتات، خاطئة وغير منطقية أحياناً. فالحجم الحقيقي للنزوح الجماعي أكبر مما اعتُرف به رسمياً من قبل الحكومة السورية، أو المؤسسات الدولية أيضاً، وكذلك هي تداعياته على بقية دول العالم، حيث يختار كل اللاجئين من ذوي المهارات العالية، طريق المنفى من أفغانستان إلى أوكرانيا وبلدان أخرى.

قبل الخوض أكثر، يجدر بنا أن نذكر بعض الحقائق. في عام 2010، كان يمكن النظر إلى سوريا كـ “نموذج” في تطوير الرعاية الصحية. فقد وفرّت صناعة الأدوية المزدهرة فيها 90 بالمئة من حاجتها المحلية. بين عامي 1990 و2010، تضاعف عدد الأطباء الذين يخدمون السكان، بحسب قاعدة بيانات “مؤشرات التنمية” التابعة للبنك الدولي، حتى قارب مجموع عدد الأطباء نحو 30 ألفاً.

كان هؤلاء “نخبة” فكرية واجتماعية وسياسية، علماً بأن وظائف أعضاء هيئة التدريس في كليات الطب بالبلاد، كانت تُمنح بغالبيتها لأعضاء حزب البعث الحاكم، كما اعتمد الالتحاق بالدراسات الطبية على التفوق في علامات الثانوية العامة، بالإضافة إلى “كوتا” مخصصة للحزبيين.

وكانت ثمّة فجوات وتشوهات في النظام الطبي، فقد تمّ تدريب الطلاب على علاج الأمراض بدلاً من الوقاية منها، وهي مشكلة بالنسبة لبلد تتسبب فيه الأمراض المزمنة، مثل مرض السكري في معظم الوفيات. ولتحقيق مكاسب مالية أعلى مما تدفعه المستشفيات الحكومية؛ انتعشت العيادات الخاصة، التي تقدم الخدمات الطبية للأثرياء من أبناء البلد والوافدين للسياحة الصحية، حتى أصبحت الجراحات التجميلية المنخفضة التكلفة تخصصاً سورياً، خصوصاً في دمشق.

في الغضون كانت هناك كارثة قادمة. فبعد شهر واحد من اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد “القمع والفساد” في حكومة الرئيس بشار الأسد في آذار/مارس عام 2011، تحوّلت دعوات الإصلاح إلى ثورة معلنة. أطلق الأسد حينها العنان لجيشه لإخماد التظاهرات بشتى الطرق، في أكثر من 20 مدينة.

وسرعان ما واجه الأطباء معضلة رهيبة؛ فأخلاقيات المهنة -كما المعاهدات الدولية التي وقعتها سوريا- تستوجب رعاية المتظاهرين الذين تأذوا من الجيش وقوات الأمن، لكنّ الحكومة اتخذت أي طبيب يساعد المتظاهرين عدواً للدولة.

“بالنسبة إلى محقق الأمن، أنت (كطبيب) أخطر بكثير من الإرهابيين، فيقال لك: نحن نقاتلهم وأنت تعيدهم”.

شهادة أحد الأطباء السوريين لمنظمة “(PHR) أطباء من أجل حقوق الإنسان”.

خلال سنوات النزاع العشر، وثّقت المنظمة سجن مئات من مقدمي الرعاية الصحية وطلاب الطب بشكل غير قانوني من قبل الأجهزة الأمنية السورية، وهم مختفون منذ ذلك الحين. وبحسب المنظمة الطبية، هناك ما لا يقل عن 3364 من العاملين في المجال الطبي في سوريا ما زالوا محتجزين أو مختفين قسراً، وهناك أكثر من 900 اختصاصي طبي قُتلوا، كما قُصفت المستشفيات عمداً.

في ذلك الوقت، كان الدكتور حسام النحاس ضمن مجموعة من الأطباء الشباب في حلب، الذين أطلقوا على نفسهم اسم “نور الحياة” وسعوا إلى تقديم المساعدة لمن يحتاجها، لكنّ السلطات ظلت تطارد المرضى والأطباء على السواء.

يقول النحاس: “الحكومة رفعت انتشارها الأمني في المستشفيات لإلقاء القبض على أي شخص يصاب خلال التظاهرات، وأصبح من غير الآمن للمتظاهرين أو الجرحى الذهاب إلى أي مستشفى خاص أو عام”.

وأشار النحاس إلى أنه لكسب الوقت في إثبات كيفية وقوع الإصابات قبل ظهور عناصر الأمن، كان من الضروري اختراع قصة من الخيال لإبعاد شبهة التظاهر. ويروي الطبيب أنه ذات مرة، طلب من صبي تشوهت ساقه بقنبلة يدوية، أن يخبر عنصر الأمن الذي جاء لاستجوابه في المستشفى، أن باباً حديدياً ضخماً سقط عليه، فأصاب ساقه.

بطبيعة الحال لم تنجح هذه التكتيكات لفترة طويلة، يقول النحاس: “قُبض على ثلاثة من متطوعينا من قبل جهاز المخابرات في حزيران/يونيو عام 2012، بعد أسابيع قليلة من اعتقالهم، أُعيدوا إلى عائلاتهم محترقين، كانوا تعرضوا للتعذيب والقتل تحت التعذيب وآثار الرصاص في رؤوسهم”.

في شهر تموز/يوليو من ذلك العام (2012)، اُعتقل النحاس أيضاً، وقال إنه أُطلق سراحه بعد 17 يوماً؛ بفضل اتصالات قامت بها عائلته، ليطلق سراحه في 18 آب/أغسطس.

لكنّه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه. بعد فترة وجيزة من خروجه، استطاع الفرار إلى الولايات المتحدة.

وبحلول العام 2021، أحصت المنظمة  “اعتقال و/ أو تغييب” 3364 عاملاً في مجال الرعاية الصحية، ومقتل 948 شخصاً في هجمات على منشآت طبية.

وابتداءً من العام 2015، أطلق الجانب السوري وحليفه الروسي حملة تدمير ممنهجة، ضد المنشآت الصحية، في المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومة.

 

كان إرهاب الدولة هو التهديد الرئيسي للأطباء ومرضاهم في سوريا، لكنّه لم يكن الوحيد. فقد عمّت الفوضى البلاد بين 2014 و2015، وسعى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وتنظيمات مسلحة أخرى إلى انتزاع الأراضي، وكان الخطف مقابل الفدية، وسيلة لجمع الأموال.

واجه كريستيان فيتالي، وهو طبيب عام لديه عقود من الخبرة في سوريا، هذا التهديد. وهو الآن مواطن كندي، يعمل مديراً متخصصاً في الصحة في مركز الوافدين الجدد في كالغاري بكندا، ويساعد اللاجئين على “العثور على موارد صحية”، كما أخبرنا.

قال إنه في عام 2015، حاولتْ جماعات المعارضة -في مسقط رأسه- باللاذقية الخاضعة لسيطرة الحكومة، اختطاف ابنه. وأضاف قائلاً: “لقد استهدفوا أبناء الأطباء والمهندسين، وبعض الأشخاص المعروفين في المدينة، ممن يفترض أنهم ميسورون”. أكد أنه يعرف شخصياً طفلين، اختطفوا وقتلوا، أخذوا المال من ذويهم، ثم قتلوهم وأرسلوا الجثث إلى عائلاتهم؛ كان هذا سبب مغادرته سوريا مع عائلته في عام 2015.

ومع انهيار الاقتصاد السوري ظهر تهديد ثالث للأطباء، تمثل في العقوبات الدولية والتضخم، اللذين أثرا في العملة المحلية.

وبحسب لجان الصليب الأحمر الدولي يعيش 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، ما جعل عملية تهجير الأطباء عملية منظمة ومسكوتاً عنها تحت أعين السلطات الرسمية؛ فالمؤتمرات التعريفية وإعلانات شركات خدمات السفر للخارج وخصوصاً ألمانيا، تقام في العلن.

وفي السنوات الفاصلة، لم يتغير أي من هذه العوامل، على الرغم من عودة الأسد إلى جامعة الدول العربية، لكن يبدو عدم وجود مؤشرات واضحة لتحسين الواقع الاقتصادي، أو حتى الإسهام في تحسين الواقع الطبي.

وفي مقابلات مسجلة مع خمسة أطباء داخل سوريا، تتراوح أعمارهم بين 24 و39 عاماً، تمّت الإشارة إليهم هنا بأسمائهم الأولى لأسباب أمنية، يتبين جلياً أن الظروف المادية لحياتهم وعملهم أصبحت عملياً مستحيلة؛ فهم الآن يعانون الفقر بسبب العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، والتي أدت إلى تدمير قيمة العملة المحلية. وتبلغ قيمة الدولار (حتى نشر هذا التحقيق) فى السوق السوداء أكثر من 13 ألف ليرة سورية، في حين كان الدولار يوازي قبل عشر سنوات مثلاً 104 ليرات.

سراج، وهو أحد الأطباء الخمسة، أخبرنا أن راتبه لا يغطي احتياجاته الأساسية، أو حتى تكلفة التنقل بين المنزل والمستشفى. وقد أصبحت ظروف الحياة “غير محتملة” حتى بالنسبة للأطباء.

يشعر سراج بالغيرة من الأطباء الذين تمكنوا من السفر إلى الخارج، فيقول: “كل هؤلاء الأطباء خارج البلاد، سيكونون أشخاصاً منتجين. في سوريا، سيُستهلك الأطباء بالكامل ويعتمدون كلياً على عائلاتهم، عاجزين عن الاستقلال والتقدم في حياتهم ومستقبلهم أو تكوين أسرة”.

يصف الأطباء الذين قابلناهم حال المستشفيات والعيادات في سوريا بالمنهارة حرفياً؛ فبحسب  “جواد” “لا أدوية ولا نظافة”. وأضاف “جواد”: “المصاعد معطلة وورش الصيانة معطلة”. وروى “حسين” قصة مماثلة فقال: “هناك نقص في المعدّات والأدوية بسبب العقوبات، وفي بعض الأحيان بدت حتى معدّات الصيانة صعبة الصيانة!”.

وعليه، استمر هروب الأطباء السوريين بالآلاف إلى الأردن ولبنان وتركيا ودول الخليج، وأوروبا وأميركا الشمالية والقوقاز، وبلدان ومناطق أخرى حول العالم.

ونعود إلى السؤال: كم عدد هؤلاء الأطباء بالضبط؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين!

 لا يوجد نظام دولي يجمع بيانات من اللاجئين حول مهنتهم، أثناء وجودهم في المخيمات، أو في انتظار قرارات اللجوء.

ومع ذلك، فإن المُحصلة النهائية واضحة؛ اختفى آلاف الأطباء السوريين في فترات انتظار لا نهاية لها، للاعتماد في الخارج، ولم يتمّ إدراجهم أو احتسابهم مطلقاً كأطباء.

 كما لو أنهم تسلقوا جداراً لمغادرة سوريا… وتبخروا!

 

ويكمن أحد سبل تقدير أعدادهم في بيانات “نظام مراقبة توافر الخدمات والموارد الصحية” التابع للأمم المتحدة (HeRAMS)، والتي تمّ تجميعها منذ عام 2018 في سوريا. تُجمع البيانات من قبل “فريق من العاملين الصحيين الوطنيين من جميع المحافظات”، مع تعويض “النقص في المعلومات ذات الصلة في الوقت المناسب”، وفقاً للأمم المتحدة. هذا يعني أنها ليست دقيقة تماماً، ومع ذلك، فهي تقول الكثير.

كان عام 2020 هو العام الوحيد الذي جمعت فيه الأمم المتحدة بيانات تغطي نطاقاً واسعاً من المرافق الصحية في سوريا في زمن الحرب، شملت المستشفيات العامة والمراكز الصحية، ومستشفيات خاصة في محافظة الحسكة قرب الحدود التركية، ومنظمات غير حكومية، والهلال الأحمر، والنقاط الطبية التابعة للأمم المتحدة.

في ذلك العام، وصل العدد الإجمالي للأطباء العامين والجراحين وأطباء الطوارئ ومختلف التخصصات الأخرى إلى 15 ألفاً و868 شخصاً؛ أي تقريباً نصف عدد الأطباء العاملين في سوريا في العام 2010.

ومن بين الأطباء الذين أحصتهم الأمم المتحدة، كان لافتاً أن ما لا يقل عن 8 آلاف و292 طبيباً؛ أي أكثر من نصف العدد الإجمالي هم من الأطباء المقيمين أو المتدربين. يمكن قراءة هذا الرقم كدليل على أن الدولة السورية بذلت جهوداً حثيثة لترميم الجسم الطبي المدمر.

وبحسبة يسيرة من الأرقام التي توفرها منظمة الصحة العالمية، يمكن استنتاج عدد الأطباء الذين بقوا على رأس عملهم في عام 2020.

ربع الأطباء فقط من أصل الـ 30 ألفاً الذين تمّ إحصاؤهم في 2010، بقوا يمارسون المهنة بحلول العام 2020. فأين ذهب الآخرون؟

تتعقب “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD) الأطباء الذين يهاجرون لممارسة المهنة في البلدان الأعضاء فيها. وفرت المنظمة لنا بيانات تتعلق بالأطباء السوريين في 20 دولة، تغطي الأعوام من 2006 إلى 2020. تستبعد هذه البيانات دولاً مثل ماليزيا أو الإمارات العربية المتحدة، حيث يكون الممارسون السوريون مرئيين للغاية. ولكن بالنسبة للدول المتقدمة، فهذه أفضل البيانات المتوفرة لدينا.

وبحسب أرقام المنظمة المذكورة، كان 4640 طبيباً سورياً يعملون كأطباء في الدول الأعضاء عام 2010. وبحلول عام 2020، العام الأخير في قاعدة البيانات، وصل العدد إلى 6581 طبيباً، بزيادة قدرها 42 في المئة. ربما غادر بعض الأطباء بلدانهم المضيّفة، وأخذ القادمون الجدد مكانهم؛ ما يعني زيادة أكبر. ومع ذلك فهو رقم أقل مما كنا نتوقع، إلا أن البيانات تنطوي على ثغرات وفجوات كثيرة.

ولعل إحدى أكبر تلك الفجوات، عدم احتساب أن الطبيب يبقى طبيباً حتى وإن أصبح لاجئاً. ولكن مَن لم يُعتمد لممارسة المهنة في بلد اللجوء، فلن يظهر أبداً في بيانات “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” أو غيرها.

قطاع سري في تركيا

تُقدم تركيا مثالاً صارخاً على ذلك، وصل “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” أنه حتى عام 2016، لم يكن هناك غير خمسة أطباء سوريين فقط يمارسون المهنة في البلاد؛ ولم يتمّ الإبلاغ عن أي بيانات جديدة منذ ذلك الحين. وعندما نُقلت هذه الأرقام إلى سحر نوني، مديرة المشروع في “شبكة الملاحة الوطنية للوافدين الجدد في كندا” (N4)، قالت: “أنا شخصياً أعرف 20 طبيباً على الأقل”.

وكانت الأمم المتحدة وجدت 173 طبيباً سورياً في مخيمات اللاجئين في تركيا، وقدّمت لهم تدريباً سُمح لهم بموجبه بالممارسة الطبية في المخيمات. وقال سارادا داس، “الأمين العام للجنة الدائمة للأطباء الأوروبيين” (CPME)، التي تضم تركيا، إن المبادرة تطلبت ترتيباً خاصاً مع “الجمعية الطبية الوطنية” التي لم تدعم هذا البرنامج. هؤلاء الأطباء الـ 173 لم يظهروا في تقارير تركيا إلى “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”.

بموازاة ذلك، انتشرت في تركيا وخصوصاً اسطنبول، العيادات والمراكز الصحية والمختبرات، التي يشغلها الأطباء واختصاصيو الرعاية الصحية من السوريين الذين يعملون بترخيص وإشراف اسمي من أطباء أتراك، من دون أن يُعتمدوا فعلياً كأطباء، غالبيتهم مقيم في تركيا بأوراق لجوء، أو إقامات سياحية لا تذكر مهنتهم، فيما غالبية العيادات هي للمعاينات الخارجية، والصحة العامة والأسنان والتجميل.

يأتي ذلك في وقت تروج فيه تركيا لنفسها كقطب جديد للسياحة العلاجية، وتهدف إلى تحقيق 20 مليار دولار أميركي من العائدات من هذا القطاع لعام 2023. وفي عام 2022 وحده، ومباشرة بعد جائحة كورونا، زار تركيا مليون و700 ألف مريض أجنبي؛ ما أدى إلى تحقيق إيرادات قدرها 12 مليار دولار أميركي، وفقاً لمصادر رسمية نقلتها مستشفيات Medical Park، وهي سلسلة واسعة من المستشفيات والمرافق الطبية الراقية في البلاد.

وقد زرنا عيادات غير مرخصة في اسطنبول وغازي عنتاب، لا تزال تستقبل المرضى حتى الآن.

وفي لبنان، ظهر قطاع طبي سوري سري أيضاً، في عدد من البلدان التي لا تغطيها بيانات “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”. ففي عام 2018، أشارت “شبكة الصحة العامة السورية” (SPHN) -وهي تجمع بحثي مقره بريطانيا- إلى “الظاهرة الناشئة” للسوريين المؤهلين الذين يقومون بأعمال رعاية صحية غير رسمية لتلبية الاحتياجات المحلية في لبنان.

وأُحصي نحو مليون لاجئ سوري، يحتاج كثير منهم إلى رعاية طبية عاجلة، لاسيّما تلك المتعلقة بالأمراض المزمنة والإجهاد (ارتفاع ضغط الدم والسكري ومشاكل القلب والأوعية الدموية).

وغالباً ما يجد اللاجئون صعوبة بالغة في تحمل تكاليف الرعاية التي يحتاجون إليها، في نظام يقوده القطاع الخاص في لبنان، كما أشار تقرير الشبكة.

وعليه، مثّل وجود اللاجئين فرصة لسد العجز في مجال الرعاية الصحية، ولكن بصفة غير شرعية. أجرتْ شبكة SPHN مقابلات مع 40 منهم، أجمعوا على صعوبة الحصول على الاعتماد وتصاريح العمل، كما تحدثوا عن “الخوف المستمر (بما في ذلك التهديد بالترحيل)، والتحديات الأخلاقية، والتمييز وعدم القدرة على كسب العيش”.

كندا ترحب بخبرتهم وتتركهم بمفردهم

تقدم كندا، وهي وجهة رئيسية للمغتربين السوريين، نظرة ثاقبة مفصلة للفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع. يواجه البلد نقصاً حاداً في عدد أطباء الأسرة، الذين برع النظام الطبي السوري في تدريبهم. وبحسب “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD) فإنه بين العامين 2010 و2022، نما عدد الأطباء الموجودين في كندا بنحو 50 في المئة، ليصبح المجموع 151 طبيباً فقط.

وأكدت لنا مصادر متقاطعة أن هذا العدد قليل للغاية، وأن كندا لم تدمج أبداً مئات الأطباء السوريين ضمن طواقمها الطبية.

كريستيان فيتالي مثلاً غير محسوب في قوائم المنظمة، ويقول إنه يعرف الكثيرين مثله. في سوريا كان هو طبيب أسرة، وزوجته طبيبة نسائية، لكن أحداً منهما لا يستطيع تحمل تكلفة إصدار اعتماد في كندا؛ فتلك عملية ترقى إلى جولة ثانية من التعليم الطبي بدوام كامل، وكلاهما بدأ بممارسة عمل آخر.

ويشرح فيتالي: “جئت ببعض الإنكليزية وكان علي أن أتعلم بسرعة للحصول على وظيفة وإعالة أسرتي، أحضرنا كل مدخراتنا، لكن عندما وصلنا كان علينا أن ندفع ثمن كل شيء من الإيجار، وشراء سيارة، لأنك تحتاج إليها هنا للذهاب إلى عملك، فهذه مدينة كبيرة جداً، أنفقنا الكثير خلال أول سنتين، كان لدي ولدان في الجامعة، وزوجتي تدرس لتحصل على درجة الماجستير في الإدارة الصحية”.

“لم يكن لدي ترف البقاء في المنزل والدراسة لسنتين أو لثلاث سنوات للحصول على أوراق الاعتماد، فالنظام هنا يقتضي أن تجتاز جميع الاختبارات، ومن ضمنها اختبار اللغة الإنكليزية، ثمّ إتمام سنتين من الإقامة التدريبية، لتصبح طبيب أسرة”.

من مقابلة الدكتور فيتالي

وقال فيتالي إنه يعرف شخصياً نحو عشرة أطباء سوريين آخرين في كالغاري، واجهوا الموقف نفسه ونتائجه، وأضاف: “لكن هناك الكثير، ربما المئات في مدن أخرى”.

سألنا فيتالي ما إذا كان يعتقد أن العدد يصل إلى المئات من الأطباء غير المعتمدين في كندا، فقال إنه يكاد يجزم بذلك، مستدلاً بأنه ينتمي إلى مجموعة واتساب، تضم وحدها 150 طبيباً بين الداخل والشتات.

مصادر أخرى تؤكد هذه التقديرات. تقول ديدري ليك، مديرة “جمعية ألبرتا الدولية لخريجي الطب” (AIMGA)، وهي مجموعة مناصرة ودعم، تضم 1600 طبيب نشط مُدّرب في الخارج، (تقول) إنه بناءً على الاستطلاعات السنوية لعضويتها: “70 بالمئة من الأطباء السوريين في المنفى لم يحصلوا على أوراق اعتماد في كندا”.

و بالاعتماد على إحصاء “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD) لـ 151 طبيباً سورياً مرخصين في كندا كمعيار، ذلك يعني أن أكثر من 500 طبيب أجبروا على البحث عن عمل آخر.

تتقاطع هذه الأرقام مع بيانات “شبكة الملاحة الوطنية للوافدين الجدد” (N4) في كندا، التي تنظم دورات للمهنيين في الخارج، “الساعين إلى التوظيف الأمثل والازدهار في نظام الرعاية الصحية الكندي”. في عام 2022، كانت الشبكة غارقة في الطلبات. “لقد تلقينا أكثر من 300 طلب، لكننا سنقبل 60 طلباً فقط، فماذا يمكنك أن تفعل؟”، تقول كريستين كوري، المسؤولة عن المساواة والتنوع الصحي N4.

هي مفارقة مأساوية، تقول كوري: “رحبتْ بهم كندا كمهاجرين أصحاب خبرة، وأنهم سيكونون مكسباً كبيراً لها، ثمّ تُركوا بمفردهم، النتيجة أن نحو 40 في المئة فقط ينجحون في العمل في مهنتهم”.

الدكتورة أنالي كوكلي المديرة الطبية لـ AIMGA ومناصرة شديدة للمرضى والأطباء من اللاجئين، تقدم حجة تتشارك فيها مع “شبكة الصحة العامة السورية في المملكة المتحدة” ومفادها أن الأنظمة الصحية الغربية، جعلت من المستحيل عملياً دمج كل طبيب لاجئ إليها وقد يسهم في رفاهيتها، في حين هناك حاجة ماسة إلى هؤلاء، خصوصاً عندما يؤدي تقليص ميزانيات القطاع الصحي إلى كوارث حقيقية، كما جرى في جائحة كورونا.

واختبرت كوكلي ذلك عن قرب وقت الجائحة، تقول: “في كالغاري، كان أطباؤنا المدربون في الخارج أساسيين في تطويق تفشي المرض، في مصنع كارغيل لتعبئة اللحوم على سبيل المثال، كان هذا أكبر انتشار للوباء في أميركا الشمالية. هؤلاء الأطباء، الذين لم يتمّ اعتمادهم لعلاج المرضى في كندا، قدّموا خدمات مهمة مثل المعاينة الأولى، لتقييم الحالة الجسدية للمريض من لون الجلد والعينين، والحرارة والطاقة والقوة”.

وأعربت كوكلي عن شيء من التفاؤل: “تنظر الحكومة في تحديد العقبات التي يواجهها أطباء المنفى في إصدار أوراق اعتمادهم، فمعلوم أن هناك نقصاً في الرعاية في جميع أنحاء كندا، فكيف يمكننا المساعدة في التغلب على بعض هذه العقبات؟”.

وأردفت: “في الواقع هناك الكثير من المعوقات التي لا معنى لها على الإطلاق”.

بداية هناك عنصر الوقت، وفي كالغاري الوقت يطول. فقد فرضت “جمعية ألبرتا الطبية” فترة تدريبية لمدة ثلاثة أشهر، تحت إشراف طبيب كندي، يحدد المشرف وحده ما إذا كان المرشح قابلاً للاعتماد أم لا. يُطلب منهم فترة إقامة (تدريبية) مسبقة لعامين على الأقل، في حين لا وجود لإقامات كافية تستوعب جميع المرشحين، وغالباً ما تُعطى الأولوية لخريجي كندا.

وفي المحصلة، يضيق كل يوم هامش دمج الأطباء المدربين في الخارج. وتقول كوكلي: “كما تعلم، نحن نقاتل، نقاتل…”. وتلعثمت بحثاً عن كلمة تصف الوضع، قبل أن تختم بالقول: “الأمر صعب”.

حصة الأسد في ألمانيا

هناك عوامل مشابهة في ألمانيا، التي تضم وحدها ما يقارب 70 بالمئة من الأطباء السوريين، والذين مارسوا مهنة قانونية في دول “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، وبحسب تقرير صدر في عام 2022، فإن عدد الأطباء السوريين في ألمانيا وصل إلى 5400 طبيب، أسسوا جمعية الأطباء والصيادلة السوريين، وعقدوا أول مؤتمر لهم في مدينة فرانكفورت. وبحسب التقرير، فقد تضاعف عدد الأطباء السوريين الوافدين إلى ألمانيا 6 مرات منذ عام 2010.

وصف جميع من تمّت مقابلتهم عملية الترخيص بأنها إجراء معقد وطويل ودائم التغيير وغير شفاف، ويُنظر إليه على أنه بيروقراطية غير عادلة جزئياً أو بيروقراطية تعسفية. غالباً ما يكونون تحت رحمة موظفي الحكومة، ويبلغون عن تجاربهم مع المراجعين الذين يطلبون طلبات تعجيزية، ويرفضون إعطاء المعلومات، ويتصرفون بشكل عشوائي. يصف الأشخاص الذين تمّت مقابلتهم أنفسهم بأنهم مكتئبون و/ أو منزعجون و/ أو يائسون”.

“اللجنة الدائمة للأطباء الأوروبيين” (CPME)، التي تمثل الجمعيات الطبية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، تقف على جانبي هذه القضية.

وتقول الأمينة العامة للجنة سارادا داس: “نحن نعارض المسارات المتسرعة للاعتماد والتي تقلل من مستوى التدقيق، من وجهة نظر أعضائنا، فإن هذا يؤدي إلى رعاية صحية من الدرجة الثانية، يجب أن يكون كل مريض واثقاً من أن مقدم الرعاية الصحية خضع للتدريب اللازم”.

ولكن داس تقر بأن توثيق المؤهلات قد يكون صعباً للغاية بالنسبة للأطباء الوافدين: “غالباً لم يكن للاجئين القادمين من سوريا فرصة إحضار شهاداتهم معهم”.

أما بالنسبة للفرنسيين، فقالت فرانسواز هنري، مديرة قسم التدريب والكفاءات في مجلس نقابة الأطباء الفرنسية، إن العقبة التي يواجهها السوريون في المنفى، هي عدم وجود “شهادات معادلة” بين كليات الطب السورية والفرنسية. في فرنسا، قالت بشيء من السأم: “نحن لا نعترف إلا بالشهادات”. حاولت هنري وأخفقت في إقناع وزارة الصحة بالاعتراف بالمستوى الجيد للأطباء السوريين، بعد دراسات مماثلة لتلك الموجودة في فرنسا. لقد تأثرت بشكل خاص بمهاراتهم السريرية: “كانت لديهم تجربة كبيرة، لكنها لم تنعكس على السياسات الفرنسية”.

 

واجه الأطباء السوريون أيضاً حواجز ثقافية. في دراسة ألمانية، ذكرت طبيبات ثلاث أن ارتدائهن للحجاب أدى إلى التمييز ضدهن في بحثهن عن عمل. في كندا، قال مصدرنا في شبكة N4: “كنا نتلقى مكالمة أسبوعية واحدة على الأقل من سيدة تعرضت للإهانة الشخصية، كان لدينا بعض الوافدين السعوديين يأتون لتخصص جراحة العظام، فتقول الأمهات، هذا الطبيب المقيم لن يصافحني، إنهم متحيزون ضد النساء، وغير ذلك من الترهات… لذلك كان علينا القيام ببعض المحاولات لشرح أن عدم المصافحة في بعض الثقافات لا يعني التقليل من الاحترام، بل العكس تماماً، فتقول السيدات: أوه هذا رائع إذاً فهذه ليست مشكلة”.

يقول كريستين خوري: “لكن في النهاية، أنهينا تلك الشراكة، فهناك عوائق لا يمكنك التغلب عليها، لا أعتقد أنهم [الشركاء] وضعوا موارد كافية لتدريب هؤلاء الزملاء المتعثرين الذين كانوا ذات يوم أطباء عظماء وذوي نوايا حسنة”.

عائق ثقافي ورسمي آخر لأطباء المنفى، هو اللغة. عادة ما يكون اختبار اللغة هو الخطوة الأخيرة قبل الاعتماد، وتختلف المعايير من بلد إلى آخر، حيث يُطبق هذا على “المستوى الوطني”، كما أشارت داس، ففي أي بلد، تتجاوز المتطلبات اللغوية للمهنيين المعتمدين مهارات المحادثة العادية.

وتستخدم الدول عادة، مصطلحات مختلفة للإجراءات الطبية نفسها. والأهم من ذلك، أن المرضى يعبرون عن مخاوفهم بلغاتهم المحلية. وتقول داس: “من المهم التواصل مع العائلات وغيرهم من المهنيين، هذه قضية تتعلق بسلامة المريض. منذ الوباء، شهدنا تطبيق هذه المعاينات عن بعد، عبر الإنترنت، هناك مستوى مرتفع نسبياً”.

هذه التوقعات معروفة لطلاب الطب في سوريا اليوم، بحسب ما يقول فيتالي: “غالبية طلاب الطب في سوريا اليوم يدرسون اللغة الإنكليزية أو الألمانية أو لغات أخرى، لأنهم لديهم نية مغادرة البلاد بعد التخرُّج، لأنه لا أمل هناك”.

ولكن، ربما يكون هناك بصيص أمل للعاملين الصحيين السوريين في المنفى. فقد دفعت الأزمات المشتركة، المتمثلة في تقليص التمويل الصحي وجائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، السلطات الطبية الوطنية إلى إعادة التفكير في المغزى من وراء استبعاد المهنيين الأجانب من ممارسة مهاراتهم.

قالت داس: “معظم المشكلات السائدة، تتمثل في استمرار النقص والافتقار إلى القدرات، وزيادة معدلات الإرهاق”.

العوامل الاقتصادية تدعم هذا التوجه. فلطالما جادلت “شبكة الصحة العامة السورية” (SPHN)، التي أُسست في المملكة المتحدة عام 2015، بأن الأطباء في المنفى يمثلون حلاً منخفض التكلفة نسبياً لنقص الأطباء.

قالت ” علا عبارة” وهي طبيبة وعضوة اللجنة التوجيهية في SPHN: “سيكلف تدريب طالب طب بريطاني على الأقل نصف مليون جنيه إسترليني من المرحلة الجامعية إلى مرحلة التخرج، ولكن إذا استقبلت لاجئاً سيكون الوضع مختلفاً”.

“على سبيل المثال، طبيب سوري أو أوكراني التحق بكلية الطب؛ فستنخفض التكلفة إلى النصف”.

الدكتورة علا عبارة عضوة اللجنة التوجيهية في SPHN

نقطة مهمة، حين قالت داس: “ذلك ينطبق على الوضع الأوكراني، خاصة بالنسبة للممرضات؛ فقد وصل الكثير من اللاجئين الأوكرانيين إلى دول أوروبية بمؤهلات مماثلة، ومُنحوا إمكانية الوصول إلى أسواق العمل على الفور، في حين حُرم اللاجئون السوريون من ذلك، لقد استُبعدوا من سوق العمل لفترات طويلة”.

وتقول هنري من نقابة الأطباء الفرنسية: “من الواضح أن فرنسا بحاجة إلى هؤلاء الأطباء”. ولفتت إلى أن توفير الأطباء غير كافٍ لتلبية الاحتياجات العامة: “أوروبا كلها في أزمة، لهذا حاولنا، مساعدة الوافدين”. لكن في الوقت الحالي، لم يتغير شيء يُذكر، على حد قولها.

في انتظار إقرار هذه الأنظمة، تبقى هذه قصة هدر عملاق للقيم والمواهب والفرص الضائعة والكفاءات، التي كان يمكن أن تنقذ الأرواح.

فإذا كانت سوريا جعلت من المستحيل على الأطباء ممارسة مهنتهم فيها، فلا شيء يجعل ذلك مستحيلاً في الخارج.

تم نشر هذا التحقيق بالتعاون بين شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) وراديو روزنة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى