تقاريرشكاوى

المهاجرون في ليبيا.. ضحايا اتجار بالبشر داخل مراكز احتجاز رسمية

هاجر توني، عامل من كينيا، من بلاده إلى ليبيا في محاولة للهجرة إلى أوروبا، إلا أنه أُرغم في ليبيا على حمل أسلحة ومعدات استولت عليها قوات تتبع حكومة الوفاق الوطني في مدينة ترهونة الليبية، بعد أن وقعت المدينة تحت سيطرتها في 5 يونيو حزيران 2020.

تأتي شهادة توني، ضمن تقرير “بين الحياة والموت.. اللاجئون والمهاجرون محاصرون ضمن حلقة مفرغة من الانتهاكات في ليبيا” لمنظمة العفو الدولية، الصادر في 2020، ما واجهه توني، من إجبار على حمل السلاح والعمل لصالح الجماعات المسلحة، بحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات يُعد اتجار بالبشر.*

وتوني هو واحد من آلاف المهاجرين واللاجئين الذين يواجهون مخاطر الاتجار بالبشر في ليبيا، بحسب تقارير صادرة عن منظمات دولية وأممية.

 

 

2000 حالة اتجار بالبشر في ليبيا

في بيانات جمعتها منظمة الهجرة الدولية بالتعاون مع عدد من المؤسسات الدولية الأخرى المعنية بالاتجار بالبشر ضمن مشروع “التعاون في مجال بيانات مكافحة الاتجار بالبشر”، وثقوا حوالي 1957 ألف حالة اتجار بالبشر في ليبيا، وذلك خلال الفترة من 2002 إلى 2015. ولا تعني تلك الأرقام هي كل الحالات التي وقعت ولكنها فقط ما أُبلغ عن حدوثه.

يمثل الرقم الموثق حوالي 1.56% من إجمالي حالات الاتجار بالبشر الموثقة ضمن مشروع “التعاون في مجال بيانات مكافحة الاتجار بالبشر” على مستوى العالم.

ومشروع “التعاون في مجال بيانات مكافحة الاتجار بالبشر” هو أول مركز عالمي للبيانات المتعلقة بالاتجار بالبشر، ينشر بيانات منسقة من منظمات مكافحة الاتجار بالبشر في جميع أنحاء العالم. تم إطلاقه في نوفمبر 2017. ويهدف لكسر حواجز تبادل المعلومات وتزويد مجتمع مكافحة الاتجار ببيانات محدثة وموثوقة عن الاتجار بالبشر.

 

انتهاكات في مراكز الاحتجاز

يواجه المهاجرون في ليبيا، والتي تعد دولة عبور باتجاه أوروبا، انتهاكات وجرائم وصفها الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، وهو منظمة دولية غير حكومية مقرها فرنسا، بأنها جرائم ضد الإنسانية، كما أنه بحسب شهادات مذكورة في تقرير منظمة العفو الدولية تعد جرائم اتجار بالبشر.

ويشير التقرير الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، إلى أن المهاجرين واللاجئين غالبًا ما يلجأون إلى المهربين لدخول ليبيا بسبب الافتقار إلى الحماية القانونية. بمجرد وصولهم إلى البلاد، يواجهون انتهاكات جسيمة، وغالبًا ما يصبحون ضحايا للاتجار وأشكال مختلفة من الاستغلال والرق.

ويواجه المهاجرين تلك الجرائم داخل مراكز الاحتجاز، والتي تتبع حكومة الوفاق الليبية، وتعد مراكز رسمية للاحتجاز، وتشير أرقام صادرة عن الحكومة الليبية أن عدد المحتجزين داخل تلك المراكز يصل إلى 18 ألف و523، فيما تُشكك بعثة تقصي الحقائق في ليبيا التابعة للأمم المتحدة في الرقم، وتؤكد بأن ما توصلت إليه من أدلة يجعل الرقم أعلى من ذلك بكثير.

من هؤلاء الذين تعرضوا للاحتجاز والاتجار داخل مراكز احتجاز تتبع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، “داويت” والذي هاجر إلى ليبيا في محاولة لعبور البحر الأبيض المتوسط باتجاه أوروبا، بعد ما فر من التجنيد القسري في بلاده.

يقول داويت في شهادته لمنظمة العفو الدولية “على مدى 15 يومًا، كانوا يضربوننا بقضبان حديدية وخراطيم، يضربوننا يوميًا بأي شيء معهم”.

“طلبوا منا دفع 6,000 آلاف دينار ليبي (حوالي 4,300 دولار أمريكي) بالسعر الرسمي، أو (حوالي 950 بسعر السوق) عن كل واحد، سواء بالغًا أم طفلًا”، يحكي داويت.

 

 

وتشير منظمة العفو الدولية أنها أجرت مقابلات مع أفراد اُحتجزوا في ليبيا ما بين 15 يومًا و3 سنوات داخل مراكز احتجاز تتبع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، أن مدة الاحتجاز تعتمد على قدرة المحجوزين على دفع الفدية.

 

تورط مسئولين في الاتجار بالبشر

وقد توصلت منظمة العفو الدولية إلى أن “بعض المسؤولين وأفراد الميليشيات والجماعات المسلحة وعصابات الاتجار بالبشر دأبوا بشكل ممنهج على تعريض اللاجئين والمهاجرين لظروف غير إنسانية، وللتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وللعمل القسري وغير ذلك من أعمال العنف.

وذكرت المنظمة أن بعض تلك الجرائم وقعت داخل مراكز احتجاز رسمية تتبع جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية وفي سجون تتبع اسميًا إشراف وزارتي العدل والداخلية، وأخرى غير رسمية تقع تحت سيطرة الميليشيات. وهو ما عانى منه كلا من داويت وتوني في ليبيا.

إذ عدّد التقرير صنوف التي تعرض لها المحتجزين ومنها المعاقبة والإذلال لدفع الفدية، بالإضافة إلى الضرب من حراس مراكز الاحتجاز، وهو ما ذكره داويت وتوني في شهاداتهم وأكدته شهادات إكينا، مهاجر من نيجيريا وزهرة.

وقال إكينا في شهادته أن الحراس كسروا له ساقه على سبيل التسلية، فيما ذكرت زهرة أنه تعرضت للضرب حتى لم تستطع المشي على كلتا القدمين وبدأت تعاني من مشكلات في الكلى، بالإضافة إلى حرمانها من الطعام والشراب، وذلك داخل مركز احتجاز بني وليد.

 

 

100 مهاجر في ليبيا ضحايا اتجار بالبشر

أجرت بعثة تقصي الحقائق في ليبيا، مقابلات مع 100 مهاجر في ليبيا، وثقتها داخل تقريرها الأخير الصادر في مارس/ آذار 2023، وقال المهاجرون بأنهم تعرضوا للتعذيب والاحتجاز التعسفي والضرب داخل مراكز احتجاز المهاجرين، بالإضافة إلى العنف الجنسي.

وذكرت البعثة بأن تلك الجرائم والتي وصفتها بأنها ضد الإنسانية وقعت في مراكز الاحتجاز التالية: “في طريق المطار، وأبو سليم، وعين زارة، وأبو عيسى، وغريان، وطريق السكة، والمباني، وصلاح الدين، والزاوية، وفي مراكز احتجاز غير رسمية في الشويرف، وبني وليد، وصبراتة، وزوارة، وسبها. وقد حددت البعثة دوراً مهماً بشكل خاص لجهاز دعم الاستقرار في الجرائم ضد الإنسانية من خلال تعاونه مع خفر السواحل الليبي في الزاوية، وسيطرته على مركزَيْ الاحتجاز أبو سليم وعين زارة”.

وأكدت على تورط قاطع لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بتسلسه كافة، بالإضافة لمسئولون رفيعو المستوى داخل خفر السواحل الليبي.

وأضافت البعثة في تقريرها، بأن “لدى البعثة أسباب معقولة للاعتقاد بأن الحراس قد طلبوا وحصلوا على أموال مقابل إطلاق سراح المهاجرين. وتجدر الإشارة إلى أن الاتجار، والاستعباد، والعمل القسري، والسجن، والابتزاز، والتهريب، هي عمليات تحقق إيرادات كبيرة للأفراد والمجموعات ومؤسسات الدولة”.

 

الأمم المتحدة تدق نقوس الخطر

ما تعرض له كل من زهرة وإكينا وداويت وتوني، جعل المفوضية السامية لشئون اللاجئين تدق نقوس الخطر حول ما يتعرض له اللاجئين والمهاجرين في ليبيا.

في تقرير صادر 21 يوليو/ تموز 2023، عن مفوضية اللاجئين أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم الشديد “بشأن وضع المهاجرين واللاجئين في ليبيا الذين يُزعم أنهم احتُجزوا وتعرضوا للتعذيب، ثم أفرجت عنهم السلطات الليبية لاحقًا ونقلوا إلى أماكن احتجاز مجهولة، حيث يُقال إنهم معرضون لخطر المزيد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الأعمال التي ترقى إلى مستوى الاختفاء القسري”.

وأضاف الخبراء “هذا ليس حادثًا منفردًا، ونحن قلقون جدًا بشأن وضع العديد من المهاجرين واللاجئين، بما في ذلك ضحايا الاتجار، الذين تم نقلهم أيضًا إلى مراكز الاحتجاز حيث لم يتم السماح للوكالات الإنسانية أو المحامين أو منظمات المجتمع المدني بالوصول.”

ودعت بعثة تقصي الحقائق والأمم المتحدة إلى تحقيق دولية مستقلة، تزود بموارد كافيةـ وإنشاء إلية منفصلة وبولاية مستمرة لرصد انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا.

ورغم فك احتجاز زهرة وتوني وإكينا وداويت، إلا أن الأسباب التي جعلتهم يفرون من بلادهم ما زالت قائمة ما يعاني إمكانية أن يكونوا ضحايا مرة أخرى للاتجار بالبشر، ويؤدي غياب المساءلة والحماية في ليبيا لاستمرار الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة بحق اللاجئين والمهاجرين مستمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى