تقارير
أخر الأخبار

كيف دمرت روسيا القطاع الطبي في سوريا ثم عادت واشترته؟!

بالنظر إلى ما هي عليه سوريا “اليوم”، يصعب تصديق أن صناعة الأدوية المزدهرة فيها، وفرت قبل عام 2011 أكثر من 90 في المئة من حاجتها المحلية، وصدّرت منتجاتها إقليمياً وعالمياً.

وأكثر من ذلك، حوّلت الخدمات الطبية في سوريا -ولا سيّما التجميلية منها- وجهة المرضى الوافدين الراغبين في الحصول على خدمات عالية الجودة بسعر منخفض، ومن ضمنهم العديد من المواطنين الروس.

فقد أقامت كليات الطب السورية برامج تبادل مع جامعات في فرنسا وروسيا.

ما حدث بعد ذلك في سوريا، تمّ توثيقه بدقة من قبل المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدولية؛ فسوريا وروسيا دمرتا البنية التحتية الطبية في البلاد بالمدفعية والغارات الجوية، وبسجن العاملين في المجال “وتعذيبهم وإخفائهم قسرياً”.

إضافة إلى استهداف المجموعات المعارضة المسلحة الأطباء وعائلاتهم بالخطف والملاحقة؛ ما دفع الآلاف من الأطباء والممرضات وغيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية إلى الفرار خارج البلاد، كما فعل رجال الأعمال في قطاع الأدوية الشيء ذاته، تاركين وراءهم مصانعهم المنهوبة أو المحطمة.

وأشارت مجموعة Diligencia Group، وهي شركة استخباراتية للشركات، إلى أن “معدل الإنتاج الإجمالي لصناعة الأدوية السورية انخفض بنسبة 75 في المئة بدمشق وريفها”.

هذه كارثة بكل المقاييس، لكنّها أيضاً فرصة تجارية لروسيا؛ فقد أثبتت الأحداث المتلاحقة أن الدولة الروسية والشركات الخاصة المقربة من الكرملين، وبعد المساعدة في تدمير نظام الرعاية الصحية في سوريا، قامت بالاستفادة من إعادة إعماره.

وسبق لروسيا أن طبّقت نموذج الأعمال هذا في الشيشان، حيث أعقب التكتيك الروسي بتدمير البنية التحتية المدنية، استثمار بقيمة 8 مليارات روبل من مشاريع إعادة الإعمار “المليئة بالفساد”.

وفي سوريا، يتشكّل مسار مشابه على نطاق جديد وكبير، فقد قدّر مسؤول روسي في عام 2018 مبلغاً يتراوح بين 200 و500 مليار دولار لإعادة إعمار الاقتصاد السوري.

“الأولوية ستعطى للشركات الروسية، حسب ما قال الرئيس بشار الأسد”.

سيرغي كاترين رئيس غرفة التّجارة والصّناعة الرّوسيّة

عندما انخرطت روسيا عسكرياً إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد في أيلول/سبتمبر 2015، أدت العقوبات الدولية إلى إعاقة قدرة الجانب السوري، في الحفاظ على ما تبقى من قطاع الرعاية الصحية. ولكنّ المورديِن الرئيسيين للمنتجات الطبية إلى سوريا تجاهلوا العقوبات، واحتلت إيران أكبر حصة في السوق بنسبة 35 في المئة من إجمالي الواردات، تلتها روسيا وبيلاروسيا بنسبة 25 في المئة، وفقاً لمجموعة Diligencia، ثمّ قفزت روسيا إلى المقدمة.

بحلول نيسان/أبريل 2016، وقّع الأسد اتفاقيات على هيئة قروض بقيمة مليار دولار من روسيا، ولاحقاً في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، منح الأسد الأولوية لروسيا في سلسلة من العقود الاقتصادية والتجارية، كما عرضت روسيا رعاية جهود الأسد في إحياء القطاع الطبيّ.

وفي أيلول/سبتمبر 2017، أعلنت “شبكة سبوتنيك الإخبارية” الانتهاء من إعادة بناء “مصنع أدوية كبير”، وهو ميرسي فارما/الرحمة، في إحدى ضواحي دمشق تحت الحماية الروسية.

النفاذ إلى السوق الروسية كان جزءاً مهماً من هذه الصفقات. ففي نهاية عام 2018، أعلنت شركة ديماس، إحدى أكبر شركات الأدوية السورية والمملوكة جزئياً للدولة -عبر خدمة الأخبار الروسية (تاس)- أنها ستبني ثلاثة خطوط إنتاج جديدة، لإنتاج المضادات الحيوية ومسكنات الألم، للتصدير ولا سيّما إلى روسيا.

وهذه القدرة مهمة جداً في الصناعة الروسية؛ لأن الأدوية ذات المركبات المقابلة (جينيريك) تشكّل أكثر من أربعة أخماس مبيعات الأدوية المعبأة، ابتداءً من عام 2021.

في الوقت نفسه، ارتفعت صادرات الأدوية الروسية إلى سوريا. وكان هذا السوق محط اهتمام كبير في منتدى الأعمال الروسي السوري، الذي عقد في موسكو في شباط/فبراير 2018. وقال -حينذاك- نائب وزير التنمية الاقتصادية الروسي، أليكسي غروزديف، إن الشركات الروسية التي تقدمت بطلب لتسجيل المنتجات الطبية في سوريا كانت تتلقى “الدعم”، كما وعد بالمزيد منه.

وكتب أحد المراقبين المطّلعين أن الهدف العام هو “ضمان استعداد روسيا للاستفادة اقتصادياً من تدفق الاستثمارات الأجنبية (تمويل إعادة الإعمار أوربياً) في سوريا، والتي يؤمل أن يتبعها حل سلمي للصراع”.

لم يؤخذ قرار التمويل، واستمر في المقابل تحطيم القطاع الصحي بحجره وبشره من قبل الأسد وبوتين. وفي 2 حزيران/يونيو 2019، ندد تجمع من العاملين في المجال الصحي بما يحصل عبر الحملة السورية قائلين: “خلال الشهر الماضي وحده، قصفت القوات السورية والروسية 25 منشأة طبية في شمال غربي سوريا، نستهجن بقوة هذا الاستهداف المتعمّد والمنهجي لمنشآت الرعاية الصحية والطواقم الطبية، وهو انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي”.

وذكر طبيب في إدلب، أن جميع المستشفيات التي شاركت إحداثياتها مع الأمم المتحدة من قبل، استُهدفت بشكل مباشر. وفي 3 حزيران/يونيو 2019، ذكرت صحيفة الإندبندنت أن الأطباء في إدلب لن يشاركوا إحداثيات المستشفيات بعد الآن مع الأمم المتحدة، على إثر هجمات متكررة من القوات الروسية والسورية.

 

نموذج مستند تشاركية النقاط الطبية OCHA DECONFLICTION FORM. SOURCE: HUMANITARIANRESPONSE.INFO

الأعمال تنمو وتزدهر

في عام 2020، تدفّقت المزيد من القروض الروسية إلى سوريا، ولكن هذه المرة بشرط استخدامها حصرياً بغرض الدفع لشركات روسية محددة، خلال فترة ستة أشهر، مع فرض غرامة على أي أموال غير مستخدمة بعد ذلك. من بين مالكي الشركات الروسية تلك، الأوليغارشيان، جينادي تيمشينكو ويفغيني بريغوجين، المعروف بإدارته المباشرة لـ “جيشه الخاص” أو “مجموعة فاغنر”، المنخرطة في غزو أوكرانيا، وكلاهما يخضع لعقوبات مالية أميركية وأوروبية.

ونقلاً عن وثائق مسربة، أفاد موقع newslinesmag.com المستقل، أنه من بين منتجات متعددة، قدّم الروس “عشرين منتجاً من الأدوية الصيدلانية والمواد الطبية”، كما نقل الأطباء الروس خبراتهم لزملائهم السوريين.

في آذار/مارس 2021 ، زار وفد من الجراحين السوريين موسكو، وصرح رئيس الوفد، مدير مستشفى تشرين العسكري الطبيب مفيد درويش، لوسائل إعلام روسية قائلاً: “اليوم، بحضور زملائنا الروس، شهدنا عملية جراحية لاستبدال الأطراف الصناعية، وناقشنا القضايا المتعلقة بتقديم المساعدة لسوريا في مجال الأطراف الصناعية، بالإضافة إلى الدعم والمساعدة في مجالات أخرى”.

كما أن الجامعات السورية بدأت باستقبال خبراء وأطباء روس، ضمن مؤتمرات طبية تُعقد داخل هذه الجامعات.

أحد هذه المجالات، هو علم الأورام الذي تعاني سوريا نقصاً فيه منذ ما قبل الحرب. وبعدها تدهور الوضع بشكل كبير؛ إذ نُهبت العيادات ودُمرت، وفرّ الأطباء وغيرهم من الكوادر الطبية.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وقّعت اللجنة الوطنية السورية لمكافحة السرطان (NCCC) وجمعية أطباء الأورام في الاتحاد الروسي اتفاقية تعاون علمي؛ قُدّمت خلالها دورات تدريبية في العلاج الإشعاعي، وجراحة السرطان والعناية المركزة، إلى جانب إقامة شراكات بحثية وندوات ومؤتمرات.

“الاتفاقية لها أهمية كبيرة في تطوير علم الأورام في سوريا والاستفادة من الخبرات الروسية“.

تصريح للدكتورة أروى العظمة، رئيسة اللجنة الوطنية السورية لأمراض السرطان لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

ويبدو أن الدعم الكبير قُدّم من شركة BIOCAD الروسية، التي وافقت في تشرين الأول/أكتوبر 2016، على توريد ما يصل إلى 4 آلاف جرعة من أدوية السرطان إلى سوريا سنوياً حتى عام 2021، في صفقة قيمتها 250 مليون روبل (أي ما يقارب 4 ملايين دولار، بحسب سعر الصرف وقت كتابة التحقيق).

دميتري موروزوف

Russia Dmitry

ويتمتع مؤسس شركة BIOCAD ورئيسها التنفيذي، دميتري موروزوف، بمكانة مهمة في نظام بوتين؛ فهو عضو في مجلس تطوير الأدوية والصناعات الطبية في الحكومة الروسية، وواحد من بين 500 عضو، يُطلق عليهم “احتياطيو الموظفين ذوي القدرات العالية برعاية الرئيس الروسي”. وتخصصت شركته -التي أسسها في 2001- في البداية في “البدائل البيولوجية”، مثل البدائل النباتية للأدوية، التي تنتجها الشركات المتعددة الجنسيات، وهي الآن تتفرع والفضل في ذلك يعود جزئياً إلى سوريا.

 

 

في عام 2016، مُنحت شركةبيوكادالروسية، الحق في المشاركة بالمناقصات الدوائية، والسماح للشركة بتزويد السوق السورية بالعقاقير المضادة للسرطان حتى عام 2021. وحظيت الشركة الروسية باهتمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزار مقرها مع الرئيس الكازاخستاني بعد توقيع الاتفاق بشهرين.

وجاءت جائحة كورونا لتعزز البصمة الروسية في القطاع الطبي السوري، وكان لـ BIOCAD دور رئيسي. ولأن دمشق غير قادرة على إنتاج لقاحاتها بنفسها، لجأت بطبيعة الحال إلى موسكو. قامت روسيا بتقديم لقاح “سبوتنيك في” Sputnik V الذي تنتجه شركة BIOCAD إلى سوريا، علماً بأن أياً من الدول الغربية لم توافق على استخدامه؛ ما قلّص من إمكانية انتشاره في السوق العالمية.

وهذه المشكلة مألوفة في صناعة الأدوية الروسية، بحسب شركة المعلومات الصناعية GlobalData: “تفتقر المنشآت الروسية إلى العديد من موافقات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) ووكالة الأدوية الأوروبية (EMA) ، ما يعني أن التصنيع الروسي يركز بشكل أكبر على السوق المحلية”.

وافقت سوريا على استخدام “سبوتنيك في” Sputnik V في شباط/فبراير عام 2021. وفي الشهر التالي، نقلت CNN عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، أن “حملة تضليل روسية” تعمل على تقويض الثقة في لقاحي فايزر ومودرينا (Pfizer وModerna).

استندت الحملة إلى المواقع الإخبارية على الإنترنت، المسماة News Front (ومقرها في شبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا)، وأورينتال ريفيو (بوتين وترامب مقابل النظام العالمي الجديد: المعركة النهائية) وNew Eastern Outlook، ومقرها موسكو، وصفت نفسها بأنها “تركز على خلق ثقافة جديدة للشراكة، حيث تؤثر الآراء على القرارات”.

كان القرار الخاضع للتأثير في الحملة المذكورة أعلاه هو شراء “سبوتنيك في” Sputnik V.

وصلت الجرعات الأولى من “سبوتنيك في” إلى سوريا في حزيران/يونيو 2021، وكان المستفيدون الأوائل منها الأسد والمسؤولين الرئيسيين لديه. وقال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف لوكالة إنترفاكس الروسية: “إذا كان هناك طلب وإذا كان بالإمكان، فسنرسل المزيد من الشحنات”.

سوريا تنقذ “سبوتنيك V

قدمت روسيا مليون جرعة من “سبوتنيك V” لسوريا بسعر يقارب الـ 10 دولارات للجرعة الواحدة، ووصلت قيمة هذه الصفقة إلى نحو 10 ملايين دولار.

 

 

 

 

في ذلك العام، قدّمت روسيا مليون جرعة من “سبوتنيك في” لسوريا. كان السعر الموعود به رسمياً لـ “سبوتنيك في” أقل بقليل من 10 دولارات للجرعة، لذلك تصل هذه الصفقة نحو 10 ملايين دولار. شكل ذلك 3 بالمئة من إجمالي صادرات اللقاحات الروسية في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2021، وفقاً لصحيفة موسكو تايمز.

وبعبارة أخرى، بينما كانت احتمالات النجاح التجاري لـ “سبوتنيك في” Sputnik V ضئيلة، ومعها الآفاق العالمية لصناعة الأدوية الروسية، أنقذت سوريا الموقف. فسرعان ما اكتسبت السوق السورية أهمية بالنسبة لـ “سبوتنيك في” Sputnik V. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وقّعت أكبر شركة أدوية في سوريا، Tamico صفقة لإنتاج “سبوتنيك في” Sputnik V محلياً.

وقال مسؤولون سوريون إن خطوط الإنتاج الجديدة، ستوفر 5 ملايين جرعة من اللقاح سنوياً، وسيُباع بعض هذا الإنتاج إلى الخارج، ريثما يتمّ عقد اتفاقية مع رابطة مستوردي ومصدري الأدوية والمعدّات الطبية في روسيا. الصفقة التي تضمنت نقل الخبرات والمعدّات اللازمة للإنتاج، احتفل بها الجانب السوري “كأساس الاستثمار طويل الأجل في صناعة الأدوية”.

ولعلّ من المفارقات، أن يضيع هذا الزخم كله في السوق العالمية، بعدما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى فرض عقوبات جديدة على الأفراد والمجموعات المشاركة في تطوير “سبوتنيك في”. وكانت النتيجة الأخرى، تجميد منظمة الصحة العالمية قائمة الاستخدام الطارئ للقاح؛ ما أجهض بيع 110 ملايين جرعة (تزيد قيمتها على مليار دولار) -من خلال اليونيسف- إلى دول الجنوب.

عرضت سوريا تقديم بعض التعويضات، وبحلول آذار/مارس 2022، أعلنت وزارة الصحة السورية تلقيح 1.9 مليون سوري، 1.1 مليون منهم بجرعتين ليتضاعف الترتيب الأولي البالغ مليون جرعة، ثلاث مرات في السنة.

ويستمر التغلغل الروسي في النظام الصحي السوري في الاتساع؛ فقد أعلن وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، محمد سيف الدين، في ندوة عُقدت في حزيران/يونيو 2022، أهمية التعاون السوري الروسي في جميع القطاعات، ولا سيّما الصحة. جاء ذلك بالتزامن مع خبر نشرته وكالة “سانا” عن “اتفاقية تعاون ثنائي مرتقب، في مجال تصنيع الأدوية والمعدّات الطبية، فضلاً عن توقيع اتفاقية جديدة، بشأن تدريب الأطباء السوريين في روسيا.

ولا يبدو أن الاتساع قد ينحسر. ففي 16 آذار/مارس من عام 2023، أجرى الأسد مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية (ريا)، وصف فيها توسيع الوجود الروسي في بلاده بالأمر الجيد.

كان الأسد يتحدث عن “الوجود العسكري الروسي”، ولكنّ الأمر ينسحب بوضوح على اقتباس المجالات الأخرى في البلاد.

“اليوم، يفكر المواطنون في أمنهم أولاً وقبل كل شيء، ثمّ بالمشكلات اليومية من تعليم وصحة”.

بشار الأسد في لقاء مع وكالة سبوتنيك عام 2016.

لم تنحسر أزمة الرعاية الصحية في سوريا حتى الآن. ما تغيّر فقط هو أن الحليف الذي ساعد في تفجير القطاع الطبي، أصبح الآن مستثمراً حاسماً في مستقبله.

تم نشر هذا التحقيق بالتعاون بين شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) وراديو روزنة.

 

يمكنكم مطالعة الجزء الأول من التحقيق عبر الرابط التالي “الأطباء السوريون خسرتهم بلادهم ولم تكسبهم بلدان اللجوء”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى